مرحبـ 1000000 ـاً

أعظم  وَ أجمل إنجاز في مجال عملي أسعى لتحقيقه هو أن أكسب ثقة المريض .. قد يراه البعض شئ سخيف وَ تافه .. وَ لكن على أساس هذه الثقة يمكنني أن أعرف كيف أتواصل مع المريض وَ أن أصل معه  إلى نتيجة جيدة في العلاج .

في بدايات تعاملي مع المرضى لاقيت صعوبة في كيفية التواصل معهم وَ خصوصاً من تسببت الإعاقة في حرمانهم من التواصل مع الآخرين سواءاً بالحديث أو بالحركة أو حتى بتعابير الوجهه .. لم أعرف كيفية التعامل معهم وَ لا التواصل حيلتي الوحيدة  التي كنت أتقنها هي أنني أقوم بالجلسات العلاجيه وَ اكتفي بذلك  ثم أغادر غرفة المريض حاملةً هم جلسة الغد وَ التي ستكون كحال سابقاتها مجرد تمارين وَ السلام .. هذا الوضع لم يكن يعجبني بل دائماً ما كان يشعرني بتأنيب الضمير وَ يحسسني بفشلي الذريع لكوني لا أعرف بماذا يشعر به المريض أثناء الجلسة وَ هل يتألم أو بالضبط ماذا يشعر ؟؟ .. وَ كوني فاشلة وَ غير قادرة على التواصل مع هذه الفئة من  المرضى حاولت تجنب أن أعمل في قسم الأعصاب وَ التأهيل حتى لا أظلمهم بأدائي المتدني 😦 .. حاولت في فترة التدريب ( سنة الإمتياز )  أن يكون جلّ تركيزي وَ اهتمامي على حالات الكسور وَ كل ما يتعلق بالعظام عدا ذلك فمعذرة فانا لا أستطيع  هكذا كنت أحاول أن اظهر لهم  وَ أريدهم أن يفهموا .. فشل ذريع اعترف به  .. لا يخفى عليكم أنني كنت أتهرب حتى من أن أتعلم وَ كنت دائماً أقنع نفسي بأنني لا أستطيع أن أتواصل مع هذه الفئة من المرضى . لكن آن لهذا الحال أن يتغير فأنا مضطره لذلك خصوصاً وَ أن غالبية المرضى الذين في المستشفى الذي اعمل به هم من هذه الفئة وَ الذين قد تعرضوا لحوادث تسببت في إعاقتهم وَ حرمانهم من التواصل مع الآخرين . أصبت بحالة من الإحباط فهذه مفاجأه بالنسبة لي .. لم أكن يوم أتوقعها .. فما لا أتمناه حصل معي  😦 .. لا تتصورون كيف مرت عليّ سنه كامله وَ أنا في نفس المكان وَ مع نفس المرضى سنه كامله دون ألحظ أي تقدم في حالات المرضى وَ هذا الطبيعي فتأهيل مرضى الجلطات الدماغية يستغرق وقت طويل حتى تصل لنتيجة ملموسة  .. كنت أقول لنفسي في البدايه أنني سأغادر هذا المكان عاجلاً أم آجلاً .. كنت أُمني نفسي بأمنية سخيفة .. انقضت السنه وَ أنا مثل أول يوم كنت قد باشرت العمل في هذا المستشفى .. نفس الشعور وَ نفس الأسلوب في التعامل مع المرضى .. أدخل غرفهم أسلم عليهم أبدأ الجلسة نصف ساعة تقريباً أقضيها في غرفة يسودها الصمت مجرد أن أنتهي أودع المريضه وَ أقول لها موعدنا غداً أو بعد غد .. ماذا بعد لاشئ آخر أستطيع أن أفعله   .. هذا الموقف تكرر معي بشكل يومي وَ على مدار سنه كاملة .. كنت لا ألحظ أي تحسن في حالة المريض وَ لم أكن أعرف حتى كيف ألاحظ التحسن . يوماً بعد يوم صرت أشعر بالملل . كنت أسأل نفسي هل حقاً هذا هو عملي فقط ؟؟ .. لا بد لي أن أجد طريقة للتواصل .. لابد لي أن أعرف ماذا يريد المريض فالمريض لا يحتاج فقط إلى برنامج تأهيلي وَ علاج طبيعي .. يحتاج أن أحس به .. يحتاج أن يثق بي ..

موقف حصل معي قلّب الأفكار في رأسي وَ جعلني أتأمل وَ أقول ( نور طلعة من هالمستشفى ما راح تطلعين وَ وضع المستشفى ما راح يتغير .. ما عندك الا هالمرضى اللي هم بأمس الحاجة لأشخاص يراعونهم وَ يهتمون فيهم ) .. هذا الموقف كنت بحاجة إليه ليوقظني من غفلتي .. قررت أن أغير طريقتي فقد صرت أدخل إلى غرفة المرضى بنفسية أخرى .. صارت أولى اهتماماتي أن اعرف ماذا يريد المريض حتى وَ إن كان لا يستطيع التواصل  كنت احول ان افهمه .. صرت ادخل إلى غرفة المريضه وَ أسلم عليها بصوت عالي .. أناديها باسمها .. صرت أمد يدي للسلام عليها حتى وَ إن كانت لا تقوى على فعل ذلك .. صرت أسئلها بأسئلة نعم / لا .. صرت أسئلها ماذا يؤلمها .. أسئلها هل هي مستعدة لجلسة العلاج الطبيعي .. استمريت على هذا الوضع أسابيع لن أبالغ إن قلت أنني لاحظت تجاوب حتى وَ إن كان شئ غير ملموس .. صرت يوماً عن يوم ألاحظ التطور في الحركة هي الأخرى لم تكن ملموسه وَ واضحة  لكن الشعور بانقباض العضلة هو بحد ذاته إنجاز وَ تطور نطمح ان نصل إليه في حالات يصعب الوصول معها لهذه النتيجة .. شعرت بسعادة بالغة وَ شعرت بزهو وَ فخر بنفسي لأنني حققت هذا الإنجاز لكن بالمقابل أستأت جداً لأنني لم أصحو من غفلتي إلا بعد مضي سنه كامله .. أستأت جداً لأنني لم أحاول منذ البداية .. لكن كل تأخيره فيها خيره وَ المهم أنني اكتشفت ما الذي ينقصني وَ لا يزال هناك الكثير لأصححه .

قبل أن أنهي هذه التدوينه التي عكفت على كتابتها أسبوع كامل ( أسبوع !! .. ليش؟ ) سأسرد لكم حادثه حصلت معي .. في يوم من الأيام  قررت أنا وَ زميلة لي في العمل أن نرافق زميلتنا الأخرى في جولتها للمرضى .. اصطحبتنا لرؤية أحد مرضاها .. هذا المريض هو الآخر لا يستطيع التحدث وَ لا الحركة لكن الشئ الوحيد الذي يتقنه هو الكتابه برغم عجزه الكامل عن الحركه ( لا تستغربون ) .. بجوار سريره سبوره بيضاء وَ قلم .. يعبر بهما عما يريده .. دخلنا الغرفة .. ألقينا السلام عليه .. أطلعناه على أسمائنا .. طلب من الأخصائية  التي تتولى علاجه أن تعطيه السبورة وَ القلم ( فَهِمت منه ذلك دون أن يتحرك ) .. وضعت القلم بين أصابعه .. شرع في الكتابه على السبورة  وَ التي تتطلب منه جهد .. نحن ننتظر ماذا يكتب ؟؟ .. في النهايه  كانت نتيجة كتابته  ( مرحبــ 1000000 ــــاً ) .. وَ التي كانت سبب اختياري لعنوان هذه التدوينه 😀 .

دمتم بود وَ صحة وَ عافية وَ راحة بال وَ ….. كل ما تتمنوه

8 تعليقات to “مرحبـ 1000000 ـاً”

  1. asma Qadah Says:

    يا الهي
    الموقف الأخير وقفت معه كثير!
    قد ايش نحن مو حاسين بنعمة ربنا وشايفين نفسنا على الناس
    المرضى واي انسان عاجز تلاقيه طيب بطبعه، بيكون ممتن للي حواليه بمجرد الابتسامة!

    ربي يقويك يانور ويقدّرك على مساعدتهم 🙂

  2. علي Says:

    الرعاية الصحية هي مجال يحمل فيه من المواقف والأحاسيس الانسانية الشيء الكثير, فلا يقاربه في ذلك أي مجال آخر.

    وبعد سنة كاملة من الممارسة في أي مجال, لا أظن أنها لن تترك أثراً ولو بسيطاً. لاستشعار التغيير يحتاج الأمر في رأيي إلى قليل من اتساع نطاق الملاحظة والنظر الى تلك الممارسة بمنظور أوسع, عندئذ لا بد وأن نلمس ونحس ببعض التغييرات الايجابية التي تدفع إلى الأمام وهذا أمر مؤكد.

    والتكيف مع البيئة, التغيير من طرق معالجتنا لبعض الأمور و اتباع أساليب جديدة, هي أمور صحية يجب على كل فرد أن يمارسها باستمرار.

  3. أحمد Says:

    لماذا نقول الحياة خبرات وتجارب ؟

    هذا الأمر ينطبق عليك تحديداً .. كنتي بحاجة إلى مزيد من الوقت للدراسة والتأني والإطلاع والتأمل في تطوير عملك

    عموما أحسنتي في تأمل حالك وجميل التصحيح الذي تم .. ولكن ماذا نقول فيمن يبقى لعشرة أعوام في نفس المكتب دون تغيير ؟

  4. Stranger Says:

    صباح الأمل

    الصحة نعمه من رب العباد..ولله الحمد

    نعم المرضى بحااااجه ماسه لللأبتسامه للكلمه الحلوه قبل العلاج

    رسولنا صلى الله عليه وسلم دلنا على أفضل الخير..تبسمك في وجه أخيك صدقه

    ليس فقط المرضى من يحتاجون ذالك الأصحاء يحتاجون أكثر من ذالك

    تقديمك لبعض الهداية البسيطه لها أثير كبير…مثل الورد..وانا تحت أمرك على حسابي

    دمتى نووووور..بإحساسك الطيب

    العجوز 🙂

  5. 5arbasha Says:

    @ asma Qadah : و الله يا أسماء صحيح الموقف يحزني بس هالمريض يعتبر أفضل من غيره لقى طريقه يتواصل فيها مع الآخرين .. ع العموم الله يقدرنا على فعل الخير
    سعيده بتواصلك 🙂

    @ علي : ” والتكيف مع البيئة, التغيير من طرق معالجتنا لبعض الأمور و اتباع أساليب جديدة, هي أمور صحية يجب على كل فرد أن يمارسها باستمرار” << هذا هو المفروض
    سعيدة بمرورك

    @ أحمد : عشر سنوات دون تغيير !! .. أعتفد أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك تغيير خصوصاً إذا كان المكان اللي تشتغل فيه بعيد عن الروتين .. وَ إذا كانوا اللي معك يشتغلون على أساس التيم وورك .. وَ صار في إنتاجية في العمل كل هذه الأسباب في نظري لا تجعلك تبحث عن التغيير ( بالعكس يمكن تقول الله لا يغير علينا )
    سعيده بتواصلك المستمر 🙂

    @stranger : ” الصحة نعمة من رب العباد ” << اله يديمها من نعمه
    شاكره مرورك 🙂

  6. ظل Says:

    احتجت سنة لتتغيري ..
    و أسبوعاً لتكتبي ..

    أرأيت ؟ بدأت المدة بالتقلص ..

    يعجبني هذا السرد نور ..

  7. ahmad Says:

    بصراحة شي رائع انك تقدمين لهم المساعد وتدخلين الفرح بقلوبهم وفعلاً قدرتي

    توصلينها بـإسلوبك الرائع . .

    🙂

  8. محمد Says:

    مساء الخير ,,,

    – أعجبني حماسك لعملك … ورغبتك الجامحة في إفادة الناس … وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجهينها في عملك … إلا أنني واثق أن بإمكانك تحقيق المزيد …
    – يمكن للطب البديل -بعد توفيق الله عزوجل- أن يصنع المعجزات …. لا أقول هذا الكلام من فراغ ….فلعلك تهتمين بهذا الجانب … سدد المولى خطاك ,,,

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: